أخر الأخبارالشرق الأوسط

ما وراء مقال الخشمان.. هل يفتح الأردن باب الانتقال من لامركزية الإدارة إلى لامركزية الاقتصاد؟

 

لم يكن مقال النائب الكابتن زهير محمد الخشمان، المعنون بـ«الأردن ليس عمّان فقط»، مجرد إضافة إلى النقاش الدائر حول الإدارة المحلية، بقدر ما بدا محاولة لفتح ملف أعمق ظل لسنوات حاضرًا في الخطاب العام دون أن يتحول إلى سؤال اقتصادي مركزي: هل تكمن مشكلة المحافظات فعلًا في نقص المشاريع، أم في أن النموذج الاقتصادي نفسه ما زال شديد التمركز حول العاصمة؟

الخشمان لا يذهب في مقاله إلى مواجهة مباشرة مع السياسات الحكومية، ولا يقدم خطابًا احتجاجيًا تقليديًا حول «تهميش المحافظات»، بل يختار مدخلًا أكثر تركيبًا؛ إذ ينقل النقاش من عدالة توزيع الأموال والمشاريع إلى عدالة توزيع الفرص.

 

وهنا تحديدًا تكمن أهمية الطرح.

 

فالحديث عن المحافظات في الأردن غالبًا ما يبدأ بالموازنات والخدمات والمشاريع، بينما يحاول المقال إعادة تعريف القضية من زاوية مختلفة: ماذا لو كانت المشكلة الحقيقية ليست في مقدار ما يصل إلى المحافظات من المركز، بل في محدودية قدرة هذه المحافظات على صناعة اقتصادها بنفسها؟

 

من «تنمية المحافظات» إلى «التنمية التي تقودها المحافظات»

 

ربما تكون العبارة الأكثر أهمية سياسيًا في المقال هي الدعوة إلى الانتقال من مفهوم «تنمية المحافظات» إلى مفهوم «التنمية التي تقودها المحافظات»

والفارق بين المصطلحين ليس لغويًا.

في النموذج الأول، تبقى المحافظة متلقية؛ تنتظر مشروعًا تقرره مؤسسة مركزية، أو مخصصًا ماليًا، أو فرصة استثمارية يتم تصميمها خارجها

أما في النموذج الثاني، فإن المحافظة تصبح طرفًا اقتصاديًا قادرًا على تحديد ميزاتها، واقتراح مشاريعها، واستثمار أصولها، وبناء شراكاتها، ضمن إطار الدولة ورؤيتها الاقتصادية الكلية

وهذا التحول، إذا أخذ على محمل الجد، يعني عمليًا أن النقاش حول اللامركزية لم يعد كافيًا إذا بقي محصورًا في الإدارة والخدمات

بعبارة أخرى، يطرح الخشمان سؤالًا غير معلن بوضوح في المقال لكنه حاضر بقوة بين سطوره: ما قيمة نقل بعض الصلاحيات الإدارية إلى المحافظات إذا بقي القرار الاقتصادي الحقيقي مركزيًا

نقد للمؤشرات من داخلها

 

من النقاط اللافتة أيضًا أن المقال لا يعترض على أهمية مؤشرات الاستثمار أو البطالة أو النمو، لكنه يطالب بقراءتها جغرافيًا

فعندما يرتفع الاستثمار على مستوى المملكة، يصبح السؤال: أين تركز هذا الاستثمار

وعندما تنخفض البطالة، يصبح السؤال الأكثر حساسية: هل انعكس ذلك على فرص العمل في المحافظات الأقل حظًا

بهذا المعنى، يقدم المقال نقدًا هادئًا لفكرة الاكتفاء بالمؤشر الوطني العام، لأن المتوسط قد يبدو إيجابيًا، بينما تخفيه فجوات كبيرة بين منطقة وأخرى

وهذه زاوية سياسية مهمة؛ لأنها تنقل النقاش من السؤال التقليدي «هل الاقتصاد يتحسن؟» إلى سؤال أكثر تحديدًا: من يشعر بهذا التحسن وأين

الهجرة إلى عمّان ليست مجرد قرار شخصي

ويتقدم المقال خطوة أخرى عندما يربط حركة الشباب من المحافظات نحو العاصمة بتركيز الوظائف والخدمات والفرص.

هذه الفكرة تحمل دلالة أعمق مما تبدو عليه.

فانتقال الشاب من محافظته إلى عمّان بحثًا عن وظيفة ليس، وفق منطق المقال، مجرد خيار فردي، بل قد يكون مؤشرًا على خلل في توزيع النشاط الاقتصادي.

وإذا أصبحت العاصمة بصورة شبه تلقائية المكان الذي ينبغي الذهاب إليه للحصول على الوظيفة الأفضل أو التعليم النوعي أو الاستثمار أو الخدمة، فإن القضية لم تعد متعلقة بتنمية منطقة بعينها، وإنما بكيفية توزيع الاقتصاد نفسه داخل الدولة.

وهنا يصبح عنوان «الأردن ليس عمّان فقط» أقل شعاراتية وأكثر ارتباطًا ببنية اقتصادية حقيقية.

ليس خطابًا ضد العاصمة

المقال كان قادرًا بسهولة على الوقوع في خطاب جهوي، لكنه يتجنب ذلك بوضوح.

فهو لا يقدم عمّان كخصم للمحافظات، ولا يدعو إلى إضعاف المركز لصالح الأطراف، بل يبني فكرته على أن قوة الاقتصاد الوطني لا تكتمل إذا تركز الجزء الأكبر من الفرص في مساحة واحدة.

هذه نقطة مهمة سياسيًا.

فالطرح لا يقوم على أخذ الاستثمار من عمّان وإرساله إلى المحافظات بصورة مصطنعة، وإنما على بناء بيئات اقتصادية قادرة على جذب الاستثمار خارج العاصمة أيضًا.

ولهذا يربط المقال الاستثمار بالبنية التحتية والنقل والطاقة والكفاءات وسرعة القرار الإداري، وهي عناصر تمنح الطرح بعدًا واقعيًا بعيدًا عن المطالب الشعبوية.

الهوية الاقتصادية لكل محافظة

ومن أكثر أجزاء المقال قابلية للتحول إلى سياسة عامة حديثه عن أن العدالة التنموية لا تعني أن تحصل جميع المحافظات على المشاريع نفسها.

فالخشمان يرفض ضمنيًا فكرة «المساواة الحسابية» بين المحافظات، ويدعو بدلًا منها إلى البناء على الميزة التنافسية لكل منطقة.

محافظة قد تمتلك أولوية زراعية، وأخرى سياحية، وثالثة صناعية أو تعدينية، ورابعة لوجستية.

وهذا يقود إلى فكرة يمكن أن تصبح جوهر نقاش تنموي أوسع: هل يحتاج الأردن إلى هوية اقتصادية واضحة لكل محافظة؟

إذا كان الجواب نعم، فإن المطلوب حينها يتجاوز إنشاء مشاريع متفرقة إلى بناء خريطة استثمارية مرتبطة بالموارد والبنية التحتية والمهارات وسلاسل الإنتاج في كل منطقة.

الإدارة المحلية أمام اختبار مختلف

في توقيت يتزامن فيه النقاش حول الإدارة المحلية، يحمل المقال رسالة واضحة للمشرّع أيضًا.

فاللامركزية، وفق هذا الطرح، لا ينبغي أن تكون مجرد إعادة توزيع للاختصاصات بين الوزارات والمجالس.

الاختبار الحقيقي سيكون في ما إذا كانت المجالس والبلديات ستملك أدوات تمكنها من التأثير في التنمية الاقتصادية لمناطقها.

لكن هذه الفكرة تفتح بدورها سؤالًا صعبًا: إذا مُنحت المؤسسات المحلية صلاحيات أوسع، فهل تملك الكفاءات والقدرات الإدارية اللازمة؟

وهل تترافق زيادة الصلاحيات مع منظومة رقابة ومساءلة أكثر صرامة؟

المقال لا يقدم إجابات تفصيلية، لكنه يضع السؤال في مكانه الصحيح: اللامركزية بلا كفاءة قد تكرر المشكلة على مستوى أصغر، كما أن المركزية المفرطة قد تخنق المبادرة المحلية.

الخشمان يحاول تغيير زاوية الخطاب النيابي

سياسيًا، يكشف المقال أيضًا عن محاولة للابتعاد عن النموذج التقليدي للخطاب النيابي القائم على المطالبة بخدمات أو مخصصات لمنطقة بعينها.

فالخشمان لا يطالب بحصة إضافية لمحافظة محددة، بل يناقش آلية إنتاج الفرص على مستوى الدولة.

وهذا فارق ليس بسيطًا.

النائب الذي يطالب بمشروع لمنطقته يتحرك داخل النموذج القائم، أما النائب الذي يسأل عن طريقة بناء النموذج التنموي نفسه، فإنه يحاول نقل النقاش إلى مستوى السياسات العامة.

ومن هنا يمكن فهم تركيز المقال على سؤال مركزي واحد:

«كيف نجعل فرصة المواطن في مدينته أقرب إلى الفرصة المتاحة له في العاصمة؟»

هذه العبارة ربما تختصر المقال كله.

فهي لا تعد بالمساواة المطلقة، ولا تطلب توزيعًا مصطنعًا للاستثمار، لكنها تضع «الفرصة» باعتبارها معيارًا للعدالة.

أطروحة قابلة للاستمرار

في المحصلة، تكمن قيمة مقال الخشمان في أنه لم يكتف بإعادة ترديد العبارة المعروفة «الأردن ليس عمّان فقط»، بل حاول منحها مضمونًا اقتصاديًا.

والأهم أنه قدم تعبيرًا يمكن البناء عليه سياسيًا خلال المرحلة المقبلة: «التنمية التي تقودها المحافظات».

فإذا تحول هذا المفهوم إلى نقاش جاد حول الاستثمار والنقل والتعليم والبنية التحتية والصلاحيات المحلية، فقد يصبح الحديث عن المحافظات مختلفًا عما اعتدناه.

وعندها لن يكون السؤال: كم أنفقت الدولة في هذه المحافظة أو تلك؟

بل: كم أصبح لدى المحافظة من قدرة على إنتاج الوظيفة والاستثمار والفرصة بنفسها؟

وهذا، في جوهره، ربما يكون أحد أهم الأسئلة التي ينبغي أن ترافق أي حديث جاد عن الإدارة المحلية ومستقبل التنمية في الأردن.

زر الذهاب إلى الأعلى