عاجل

فشل التقشّف المالي و “وصفة حزمة الإنقاذ

اقتصادنا

د.خالد الوزني

الدول الوحيدة التي تتمتّع اليوم بمؤشرات اقتصادية واعدة وإيجابية في المنطقة والعالم هي تلك التي ابتعدت عن سياسات التقشّف المالي المُفرِط وتوجّهت نحو سياسات نقدية تيسيرية مدروسة ومُوجَّهَة. في الولايات المتحدة مثلاً، وبعد الإصرار على سياسات تخفيض الضرائب وتحفيز النمو الاقتصادي، وتشجيع الصناعات المحلية، بما فيها القطاعات الخدمية، باتت النتائج تشير إلى توليد أكبر قدر من الوظائف وبمعدل يفوق 200 ألف وظيفة في الشهر. الصين، من جهة ثانية، التي واجهت تراجع معدلات النمو الحقيقي عمّا هو معتاد خلال السنوات الخمس الماضية، دأبت منذ فترة على سياسات تحفيزية محلية أدّت إلى مزيد من النمو الاستهلاكي، وتوجهت أيضا إلى أسواق جديدة ضمن سياسة الحزام والطريق للحفاظ على استقرار معدلات النمو مع توقّعات بتحسُّنٍ مستمرٍّ خلال السنوات القادمة. وهناك شواهد أخرى في مجال السياسات النقدية التيسيرية، وفي مجال دعم المنتجات المحلية والاقتصاد المحلي، أدت إلى تلاشي انحدار اقتصادات كبيرة نحو الهاوية، وهو بالفعل ما أدّى إلى إنقاذ اقتصادات كبرى كما هي الحال في أسبانيا، وإيطاليا، وفرنسا، بل والحالة الأكثر عسراً في اليونان. وقد امتزج في الطرح السابق في تلك الاقتصادات سياسات ضبط الطلب الكلي عبر قناة مكافحة الهدر في الإنفاق العام، وزيادة مستويات الشفافية في الإنفاق العام، مع سياسات تحفيز القطاعات الواعدة وسياسات تحفيز المشروعات الصغيرة والمتوسطة وحتى متناهية الصِّغر.

التقشُّف المالي وحده خلال فترات الكساد سياسة فاشلة بامتياز، وهي حقيقة أثبتتها التجارب العالمية على مدى التاريخ الاقتصادي للدول. بيد أنّ الإبقاء على الإسراف في الإنفاق العام دون حساب، وعدم الحصافة في وضع أولويات للإنفاق العام، وعدم توجيهه نحو منفعة العامة، والإحجام عن استكمال المشروعات الحيوية الرأسمالية مقابل الاستمرار في إنفاق المال العام على مصارف البذج العام والإنفاق الجاري غير المنضبط، كل ذلك يعدُّ وصفات لمزيد من تعسُّر وتعثُّر الدول وتراجع مستويات نموها الاقتصادي ومستويات المعيشة فيها، بل وزيادة المديونية، وزيادة الحاجة إلى وصفات المؤسَّسات الدائنة التي لن تقبل بإقراض دول تهدر مالها العام ولا تدفع مستحقات الغير. التقشُّف المالي سببٌ للفشل، والإسراف المالي سببٌ للتعثُّر والخضوع لوصفات وإملاءات لا يحبها صاحب السياسة العامة، ولا يقبل بها جمهور العامة؛ لأنه سيكون ضحية تعويض ذلك الإسراف عبر عبءٍ ضريبيٍّ إضافي. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف نخرج من مأزق المديونية والعجز دون اللجوء إلى سياسات التقشُّف المالي وسياسات زيادة الضرائب والرسوم؟ والإجابة عن ذلك تكمن في وصفات عالمية مجرَّبة وظاهرة للعيان تبدأ بمفهوم وقف الإسراف في الهدر المالي العام، وتنطلق إلى البحث عن سبل تحقيق إيرادات عامة عبر توسيع نطاق الاقتصاد، والانفراج الاقتصادي عبر سياسات تيسير كمي تسهل المزيد من الوظائف والاستثمارات، وتخلق المزيد من الوظائف؛ أي تدفع بمزيد من العاطلين عن العمل نحو الإنتاج وتحولها إلى دافعي ضرائب، وتؤدي في الوقت نفسه إلى دعم الإنتاج المحلي من الصناعات والخدمات المحلية عبر سياسات تيسيرية كمية تجعل من تلك المصانع ومرافق الخدمات تعمل بشكل أكبر فتفتح وظائف جديدة، أي دافعي ضرائب جدد كانوا عاطلين عن العمل سابقاً، وفي الوقت نفسه تتوسّع أسواق تلك القطاعات فتدفع ضرائب إضافية عبر قنوات توسع الأعمال وليس عبر قنوات زيادة معدلات الضرائب. “وصفة حزمة الإنقاذ” المكونة من البعد عن التقشُّف المالي، وإيقاف هدر المال العام، والتوسُّع في التيسير الكمي، وزيادة الإنفاق العام على البُنى التحتية حتى لو بمزيد من القروض الرسمية، وتحفيز الاستثمار المحلي، وجذب الاستثمار الخارجي، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، وصفةٌ مدروسَةٌ مُجرَّبةٌ أثبتت نجاحها في العديد من الدول حول العالم، وأعطت أكلها في أقل من عامين في العديد من الحالات. كل ما تحتاج إليه تلك الوصفة فريق عمل وطني، تُسهّل الحكومة قيادة أعماله، وتتبنّى مخرجات عمله، وتضمن فيه الشراكة مع القطاع الخاص والجهات ذات العلاقة من مؤسسات المجتمع المدني، وتجعل من مخرجات عمله وتوصياته دليل عمل فعلياً، وليس وثائق تضاف إلى ما سبق من أجنداتٍ وخططِ تحفيزٍ ومواثيق. باعتقادي أنَّ فريقَ عملٍ وطني يمكن أن يُنجز “وصفة حزمة الإنقاذ” في أقل من شهرين إذا ما أعطي الصلاحيات والمعلومات والتفويض، وبغير ذلك سنبقى منشغلين بتعديلات الضرائب، وسياسات التقشُّف التي لم تكن يوماً ما مُنقذاً لأي دولة، إن تمَّت دون حزمة متكاملة من التحفيز والتيسير والتخطيط السليم.