عاجل
الوزني

سيادة القانون.. ممكِّنات الاقتصاد

آقتصادنا

الدكتور خالد واصف الوزني

حينما تحدَّث جلالة الملك منذ يومين عن أهمية سيادة القانون والشفافية والعدالة، وتطبيق القانون على كافة الشرائح دون تمييز، واعتبار أنَّ من يريد تجاوز ذلك هو معاد له شخصياً، ومعاد للدولة ككل، إنما هو يشير صراحة إلى أحد أهم ممكّنات الاقتصاد وفقاً لأفضل التطبيقات العالمية.
ولعلَّها ليست المرة الأولى التي يتحدَّث فيها رأس الدولة صراحة أو ضمناً عن أهمية الحاكمية وسيادة القانون وسيادة واستقرار القوانين في الدولة، ولعلَّ ذلك أيضاً جاء عبر إشارات واضحة أحياناً من الداخل، وإشارات صريحة وردته من لقاءاته ببعض المستثمرين المحتملين خلال زياراته للخارج.
بيد أن الشاهد مما سبق هو حقيقة أنَّ التقارير الدولية، والتي من أهمها تقرير التنافسية العالمي، وتقرير بدء الأعمال، وتقرير مؤشر المعرفة العالمي، تشير جميعها- عند تصنيف الدول وعند تحديد ترتيبها على خارطة الاستثمار والتنافسية العالمية- إلى معاملات الاستقرار، وسيادة القانون، والمؤسسية، في تلك الدولة.
وقد يستغرب البعض أن قرار المستثمر في الولوج إلى أي دولة يبدأ بمدى استقرار الدولة سياسياً، ثم ينتقل مباشرة إلى سيادة القوانين، والشفافية، والعدالة، وسرعة المقاضاة، قبل أن ينتقل الأمر إلى الحوافز الضريبية والإعفاءات التي يمنحها قانون الاستثمار.
وقد أثبتت الدراسات العالمية المتعددة أنَّ الحوافز الضريبية والإعفاءات الجمركية تأتي في المركزين العاشر والحادي عشر في اتخاذ قرار الاستثمار في أي دولة، في حين تأتي سيادة القانون والعدالة والشفافية في المرتبة الثالثة، مباشرة بعد الاستقرار السياسي، والاستقرار التشريعي.
وعند النظر إلى حالة الأردن في كل من تقرير التنافسية العالمي، ومؤشر المعرفة العالمي، نجد أن المملكة احتلت مركزاً متقدماً للغاية في استقلالية القضاء لتكون في المركز الـ33 من بين 137 دولة في تقرير التنافسية العالمي للعام 2018، إلا أنها احتلت مراكز متواضعة في مجالات حماية المستثمر (126)، وفي مجال فعالية مجالس الإدارة (104)، وفي مجال الشفافية في صنع القرار (76).
على صعيد آخر حصلت المملكة في العام 2017 على الترتيب 64 من أصل 131 دولة شملها مؤشر المعرفة العالمي في مجال السياسة والمؤسسات، بيد أنها لم تحقِّق سوى الترتيب الـ92 في مجال سهولة إنفاذ العقود والاتفاقيات. الشاهد ممّا سبق جميعه، أنَّ الاهتمام الملكي بقضية سيادة القانون وتطبيقه قضية ليست فقط اجتماعية أو سياسية، بل هي في الوقت نفسه وبنفس الحجم قضية اقتصادية تنموية تمس معيشة كل مواطن.
من الواضح أنَّ الجهاز القضائي في الأردن يطبِّق معايير استقلالية عالية تتواءم مع النظرة الملكية، بيد أنَّ التطبيق والتنفيذ يعتوره تحديات تجعل قضية تطبيق وسيادة القانون معضلة أمام المستثمر المحلي الذي قد يفكِّر في التوسع محليا، ناهيك عمّا تُرسل من إشارات غير إيجابية إلى المستثمر الخارجي. هناك مسؤولية كبيرة في هذا المجال، والاهتمام، لا بل الهمّ الملكي يجب أن يقابله استجابة تنفيذية على مستوى المواطن والحكومة، إذا ما أردنا أن نجعل من الاقتصاد واحة استقرار وتنمية.
والمطلوب تحديدا أن تُوضع آلية مستدامة في هيئة النزاهة والشفافية يتم على أساسها رفع تقرير ربع سنوي إلى الحكومة وإلى جلالة الملك، حول الاستجابة وحول التجاوزات، وبالتالي اتخاذ قرارات صارمة رادعة وعادلة  في حق كلِّ من يتجاوز أو يتطاول على القانون دون تمييز أو تحيز، سيادة القانون أحد ممكِّنات الاقتصاد التي لا يمكن التفاوض حولها أو التنازل عنها؛ لأنها تمسُّ معيشة المواطن، وغيابها يعني غياب التنمية الحقيقية المستدامة، وغياب استقطاب رأس المال الحقيقي الشفّاف النظيف الذي يسعى إلى الاستدامة.
عدم سيادة القانون وغياب الشفافية يمنعان التوسُّع الاستثماري، ولا يجذبان سوى مقتنصي الفرص، ومستثمري الأموال الساخنة والفرص غير المرغوبة ، إن لم نقل الفرص غير النظيفة.